07 مارس 2022

تاريخ و قصور/ بشار

 


1
👈أصل التسمية ، الاسطورة:
إذا كانت كولومب بشار مدينة حديثة النشوء في المقابل أن بشار يمتد اسمها في أعماق التاريخ القديم ...و لا مفر ان نحكي هنا الأسطورة التي يتداولها سكان المنطقة اب عن جد عن اصل اسم بشار...
...
في القرن التاسع الهجري أرسل السلطان التركي(قيل السلطان عبد الملك*) مبعوثين الى الصحراء الكبرى لاكتشافها بهدف بسط نفوذ و سلطة الأتراك على هذه المنطقة المجهولة . و امرهم ان يحملوا له اثناء عودتهم بكل المعلومات المهمة عن كل ماهو ثمين و بالاخص عن وفرة الماء واعدا اياهم بالجزاء الحسن الوفير لمن فعل ذلك ...و انطلقت الرسل صوب الصحراء طلبا للجائزة لكن اغلبهم لم يرجع و هلك عطشا و بعضهم احضر معه حجارة ثمينة او ماءا مالحا او من غير مذاق... الا احدهم طلب ان يتنحى جانبا بالسلطان وهو متوجسا خوفا و كشف عما يخفيه تحت ردائه : قربة من جلد الماعز مملوءة بماء عذب فرات...و كان هذا الماء الزلال مفاجأة للسلطان و انفرجت له اساريره و صاح لهذا المبعوث بالثناء و للماء بالاعجاب و الفرحة فانتقلت هذه المشاعر الجميلة من قلب ووجه السلطان الى وجوه و قلوب الحضور و اطلق بعضهم على المبعوث اسم "البشار" اي الذي حمل لهم الماء العذب بشارة كل خير و سعد ...ثم كان ان اطلق الاسم على المنطقة المكتشفة ..
* لم اعثر على سلطان عثماني يحمل هذا الاسم و لا حتى والي عثماني بالجزائر بنفس الاسم.
2
👈اولاد نصير
لما عاد البشار الى السلطان التركي ترك من خلفه المنطقة و لم يكن بها واد يسيل بل كان فيها عين فوارة يفيض ماؤها بالمكان و ينبت في مساحتها المستوية انواعا من الأشجار و أدغالا من نبات القصب . و لذلك قرر السلطان عبد الملك أن يعمر بشار بالسكان و اختار قبيلة أولاد نصير من أجل ذلك. هجرت هذه القبيلة محملة بعطايا السلطان من خيل وبغال و غنم و استقرت بالمنطقة الممتدة بين بشار و ڨير و اشتغل بعض أفرادها بفلاحة الأرض وبعضهم الآخر في رعي الغنم ...و شهدت قبيلة أولاد نصير عهدا زاخرا من النعمة و الخيرات على هذه الأرض الفتية و زادهم خيرا انها كانت عامرة بكل انواع الطرائد من نعام و غزلان و جعل أن انضمت اليهم عائلات صغرى أقبلت من مناطق مجدبة لتعيش في كنفهم وتحت حمايتهم و تستقي معهم من الخير الوفير العميم .
ذات يوم و بينما اغلب افراد القبيلة منهمكون بالرعي في شعاب ڨير ، جلس شيخ كبير الى ظل شجرة البطم يستريح من عناء السير إذ لفت انتباهه فأرة تروح و تجئ حاملة صغارها من الجحر الى أعلى الشجرة فعرف الشيخ أن الفأرة لا تفعل ذلك إلا لخطر محدق...
3
👈فيضان ڨير
لما رأى الشيخ ما تفعله الفأرة من ترحيل صغارها الى اعلى شجرة البطم ادرك انها لا تفعل ذلك إلا بدافع من الغريزة الحيوانية التي تستشعر الخطر عن بعد ..هرع في وجل الى قومه المنتشرين في مراعي ڨير و صاح يجمعهم و يخبرهم بما رأه من اقتراب نذر الشر و دعاهم الى مغادرة الواد و الصعود الى اعالي الجبال . لكن اكابر القوم سخروا منه و نسبوا الى عقله الحمق و الخرف فما كان منه إلا غادرالمكان غضبانا اسفا برفقه صهره و ابناءه و خرج من الوادا قاصدا الحمادة المجاورة و نصب خيمته بالمكان المسمى بوعلالة . و لم يطل الحال طويلا على وقوع ما انذرت به الفأرة و حذر منه الشيخ :هامات عالية من الماء فاضت من ناحية الغرب و كسحت كل ما وجدت امامها من بشر و حيوان و نبات و جعلت من السواد الاعظم من اولاد نصير في خبر كان ..
...ارتحل الشيخ حزينا الى بشار و اخبر ما تبقى من قبيلته بما جرى فما كان الا ان عزم القوم على ترك بشار و الرحيل بعيدا و قد اصيبوا بخسارة فادحة في المال و الاهل و الولد و ارتحلوا الى نواحي فاس و لا يزال احفاد اولاد نصير متواجدين بتلك النواحي الى حد الساعة ...
4
👈زكور
و بلغت الاخبار الى السلطان التركي بأن اولاد نصير قد رحلوا عن بشار بعدما اهلك الطوفان اغلبهم فطلب من الناس متطوعين يتموا ما بدأته اولاد نصير من تعمير البلاد البشارية و خدمة ارضها. لكن الجميع احجم عن هذه المهمة و خاف من ان يلقى نفس المصير الذي لقيته بني نصير فما كان من السلطان الا ان يستعمل القوة لانجاز المهمة . و ارسل قسرا مجموعة من عبيده الى بشار(كانوا ذوا بشرة بيضاء) و اجبرهم على اعمارها و فلاحة ارضها وأعطاهم الأموال والمواشي ووعدهم ببناء مساكن و بذلك ظهرت ببشار مستوطنة سميت بلاد "عبدة" و بنى هؤلاء قصرا خاصا بهم سمي ب "زكور" و الذي يعني " العالي او المرتفع" و عاش العبدة 66 عام بالمنطقة و لانهم كانوا من قبل لا يشتغلون بالفلاحة فانهم لم يضيفوا اليها جديدا ولم يسعوا الى ازدهارها الى ان اقبل عليهم اناس من التل فغلبوهم على الامر و استخدموهم رقيقا في فلاحة الارض . و لما تزايد عدد سكان التل و كثر توافدهم خاف العبدة على انفسهم و عملوا على بناء قصر اخر سمي ب "زكاكور" اي " زكور الصغير" ...
5
👈السلطان الاسود
بلغت الاخبار الى السلطان الاسود في بلاد تفيلالت بأن بشار بها ماء عذب وفير و مراعي شاسعة و ان ارضها خصبة و صالحة لأن تكون مخزنا كبيرا للحبوب فقرر ان يستولي على المنطقة و يداهم قصر زكور. زحف بجيش عرمرم لم يتمكن العبدة من مجابهته فاحتموا وراء جدران زكور فما كان من السلطان الاسود الا ان اقام حصارا حول القصر بعدما قطع النخيل و كسح البساتين و هدم السدود و طمر السواقي. و يقال ان المنطقة من واكدة الى واحة آت حمو عيسى و الى منتصف الطريق ما بين بشار و غراسة اسفل جبل بشار كانت كلها خضراء مثمرة و قد حولها جيش السلطان لكحل كالجراد الى مجرد مفازة و قفار ...و كان السلطان قد اقام مقر قيادة جيشه على بعد بضع كيلومترات من آت حمو عيسى في طريق قلب العودة و لا تزال اطلال هذا المقر بادية للعيان لحد الساعة بينما نزل سائر الجيش في نبكة القنادسة وقد نبت نخيل كثير في المكان الذي اكل فيه عسكر السلطان التمر و رمى النوى .
دام حصار زكور قرابة العام من دون ان يفت من عزيمة العبدة في الدفاع عنه الا انهم مع مرور الزمن نفذت منهم المؤنة و انتشر بينهم الجوع ففكر الكثير منهم في الاستسلام . اجتمع كبار القوم للمشورة و تبادل الرأي و كان قد تبقى لهم من المؤنة 5 او6 كلغ من القمح و عجل ..اقترح احد الشيوخ ان يطعم ما تبقى من قمح للعجل ثم يطلق الى معسكر العدو كحيلة من اجل كسر الحصار . استهزأ الشباب من هذا الرأي لكن اغلب الكبار وافقوا على تنفيده كأحسن و اخر حل يحفظ القوم من الذل و الانكسار... فكانت ان انطلت الحيلة على السلطان الاسود الذي قال لما رأى بقايا القمح في امعاء العجل المذبوح: هيا ارتحلوا ...لا مقام لنا هنا فنحن رغم الدمار الذي انزلناه على زكور و ما جاوره و رغم اننا نهبنا العبدة كل ما تملك إلا انها لا تزال تطعم عجولها قمحا".
يتبع
المصدر: مترجم مما كتبه الطبيب الفرنسي سيارد عن كولومب بشار عام 1933
Les gens et les chose de Colomb-Béchar
 
 
👈6- بني عطا
بعد اندحار جيش السلطان الاسود عن قصر زكور كانت قوة العبدة قد تضعضعت من الحصار و انهكها الجوع و الأمراض و اضطر هؤلاء الى الرحيل عن بشار ...تفادوا العودة الى الشمال من حيث أتوا خشية ان يعاقبهم السلطان التركي فقصدوا بلاد درعة و الساقية الحمراء و استوطنوهما (1) ...
بعد فترة جاءت قبيلة أت عطا البربرية الى بشار و بنت فيه قصر الأبيض لا تزال اثاره ظاهرة جنوب معسكر مول (camp Moll) حاليا (2) و كانوا في الأصل بدوا يمارسون الرعي في الأساس لكن اليهم يعزى غرس النخيل الموجود في منتصف الطريق ما بين بشار و واكدة و قد جلبوا هذا النخيل معهم من تفيلالت كما بنوا في ذات المكان ساقية كبيرة تدعى ساقية بني عطا لسقي النخيل الفيلالي...
اضطر ات عطا للرحيل من بشار بعدما حلت موجة طويلة من الحر و الجفاف بالمنطقة ثم خلف من بعدهم قبائل بني امحمد و السباڨ من بلاد درعة و لم يلبث هؤلاء طويلا حتى ارتحلوا منها ايضا ...
👈7-سيدي امحمد بن بوزيان
في هذه الاثناء اقبل سي امحمد بن بوزيان من كرزاز (3) مع عبيده و اتضح له أن بشار تحمل كل مؤهلات الاستقرار و الإزدهار ...و قرر ان يحط به الرحال ...قام بزراعة المزيد من النخيل و بنى المزيد من السواقي و اشاد فيها السدود و الحواجز المائية ...مما جعل المنطقة تشهد عهدا جديدا ملئه الخير و البركة ...
لكن هذه الخيرات التي تهاطلت على بشار بقدوم الشيخ بن بوزيان اثارت طمع و جشع البدو من غنانمة الساورة فكان هؤلاء يزحفون في المواسم على المنطقة فينهبون تمرها و قمحها و بعدما تكررت هذه الغارات اضطر الشيخ الى ان يرسل مبعوثه الى واد ڨير يستدعي منه قبائل دو منيع و قال لهم : "تعالو الى بشار سوف اعطيكم ثلث املاكي من الاراضي و النخيل على ان تحموني من ظلم الغنانمة " وافق دو منيع على ذلك و عاهدوه عليه ..لكنهم و لانهم قوم من البدو و من عادتهم الترحال و الضرب في الارض لم يلتزموا بعهدهم مما جعل الشيخ ييأس من حمايتهم و اضطر في الاخير الى الرحيل نحو القنادسة أين بنى بها زاوية و زرع نخيلا و استصلح اراضي ...
يتبع
المصدر:مترجم عن_الطبيب_الفرنسي سيارد عام 1933 من كتاب
Les gens et les chose de Colomb-Béchar
هوامش:
1- هذه القبيلة استوطنت بلاد توات ايضا
2- نواحي كاستور و ڨوراي حاليا
3- ما نعرفه ان سيدي بن بوزيان رحمه الله من مواليد تاغيت
 
 
👈8- رجم كعام
لم يلتزم ذوي منيع بعهدهم حرفياً مع الشيخ بن بوزيان في حماية املاكه من الغنانمة لكنهم مع ذلك اخذوا ثلث هذه الاملاك و ظل الغنانمة يستغلون فترة غياب ذوي منيع في واد ڨير فيغيرون على بساتين بشار لنهبها و عندما استفحل شرهم و طفح كيلهم دعا الشيخ بن بوزيان ذوي منيع من جديد الى الالتزام بعهدهم و حمل السلاح و الدخول في حرب سافرة مع البغاة ...
للمسافر على الطريق من بشار الى العبادلة ان يجد على يمين هذه الطريق مجموع من القبور على تلة صخرية تدعى رجم كعام واقعة ما بين ڨلب العودة و ڨلتة احمد بن صالح...في هذه التلة دفن قتلى الغنانمة في المعركة الضارية الذي جرت بينهم و بين ذوي منيع و التي انتهت بقتل الشيخ كعام زعيم الغنانمة على يد الشيخ عيسى زعيم ذوي منيع وابادة العشرات من أفراد قبيلته ...بعد هذه المعركة قام ذوي منيع بتدمير قصر زكور الذي كانت الغنانمة تستغله للسكن في فترات الاغارة على بشار ..و سادت بعدها فترة من الهدوء و الامن و برزت اثرها المكانة الدينية العالية للشيخ بن بوزيان في المنطقة كلها و تحت حمايته استطاعت قبائل حميان و اولاد جرير من العيش بسلام في ربوع بشار و القنادسة و كان رحمه الله يتدخل في العديد من المرات لفض النزاعات بين القبيلتين ...
👈 9- قصر بشار
بعد وفاة الشيخ لم يكن ابناءه في مستوى قوته و هيبته و قد قاموا ببيع اغلب املاكهم و نخيلهم لاولاد جرير في تلزازة و بوكايس و المنڨوب ...و لما كان اولاد جرير بدوا رحلا فلم يستقروا في هذه الاراضي بل كانوا ينتقلون مابين مراعي الهواري ، بن زيرق و بني ونيف الى غاية زوزفانة و قاموا بتسخير عبيد الزاوية الزيانية لخدمة الارض و النخيل و من هنا ظهر قصر جديد في بشار يسكن اغلب بيوته عبيد و خماسي الزاوية ...و هو القصر الحالي لبشار و قد عين حاليا القايد بركة قدور لادارة شؤونه ...
👈 10- الواد لكحل
لم يبذل اولاد جرير جهدا مذكورا لخدمة الارض و للاهتمام بواحة بشار فتردى حالها و انتشرت الآفات بين نخيلها ...ثم كان عام 1888م أين جرف اغلب هذا النخيل بفيضان كبير لواد بشار و كان لون ماء الفيضان اسودا فسماه الاهالي بإسم الواد لكحل ...
هذه اسطورة بشار كما تناقلتها الروايات المحلية...
المصدر:مترجم عن الطبيب الفرنسي سيارد عام 1933 من كتاب
Les gens et les chose de Colomb-Béchar