تقول الكاتبة الإنجليزية صونيا هووي في زيارة سياحية الى بني عباس عام 1933م:

الجمهور العريض لا يعرف بني عباس و لا موقعها على الخريطة بالرغم ان واحتها اكثر جمالا من واحة بسكرة بكثير ...و لو اننا نواخذ كاتب رواية jardin d'Allah لدعوناه ان يجعل هذه الواحة الجميلة اطارا لروايته المقبلة ...

من اهم ميزات هذا الجمال ...عين ماء عذب زلال ينفجر من بين الصخور و يسيل بوفرة بين الاشجار الخضراء ...و في ظل هذه الاشجار تأتي النسوة ليملئن جرارا كبيرة من فخار و عند الساقية يجلسن ليغسلن الملابس التي ينشرنها بعد ذلك فوق الرمل كي تنشفها الشمس في خلال دقائق قليلة ...

يسود الواحة جو من السحر ...الذي لا تستطيع اي لوحة رسام في العالم ان تقلده
...النخيل تنطلق بقاماتها في السماء ...سعفها الخفيف الرهيف يشكل اطارا اخضرا للوحة الفنية التي قد يزعم اي فنان خلقها ...ربما قد يستطيع ان يحور لها الالوان و الأشكال و انعكاسات الضوء و الظل لكن كيف به يفعل مع العطر الفواح الذي يملأ الهواء ؟ كيف يفعل مع النغم التي يصدره الماء الدفاق نحو مساحات القمح الصغيرة ...بلا شك سوف يحرم لوحته من همسات جذلة تغمغم بها العين و من هرير الرياح تداعب جريد النخل ...

في بني عباس ...لا مجال للعجلة و التسرع ...الحياة تمضي بوتيرة هادئة آمنة ...احساس رهيب لم اشعره به من قبل في اي مكان زرته ...انا امرأة و بإمكاني ان اتجول وحيدة بلا حراسة في مهد الواد او على الهضبة او بين الكثبان الرملية ...و غالبا ما التقي بالاهالي منهمكين في البساتين او بالقوافل فأتلقى منهم التحايا العربية او كلمة " بونجور مدام" ...اتجول في كل مكان في راحة و اطمئنان لم اجدهما لا في الاهرمات و لا في الأقصر ...

تحت وهج الشمس ,ارنو الى الكثبان فألمح بها مثل صفائح الحديد تفصل بين الكثيب و الاخرى ...الاهالي أنفسهم يسمونها " السيوف" ...

الاولى ان تستحدث في بني عباس محطات استشفائية يقصدها مرضى العظام ...و بالاخص مرضى الاعصاب ...الهدوء المطلق كفيل بشفاء كل مريض ... اتحدث عن تجربة ...لقد امضيت ثمان اسابيع في هذا الركن من الجنة و قد اتيتها متعبة و اعاني من الاوستيومالاسي و هانذا سوف سارحل منها في حالة شفاء كامل و سعيدة بأنني قد كتب الله لي ان اكتشف بني عباس ..

قبل أن اختم ...لقد حضرت لهذه الحادثة:
جارية شابة اقبلت الى بني عباس بعدما قطعت 160 كم ماشية على قدميها كي تشتكي الى قائد المركز ظلم سيدها ...جسدها عامر بالكدمات و أثار الضرب و تحمل في يدها قيد من حديد استطاعت كسره في طريقها الى بني عباس ...قام قائد المركز باستدعاء السيد الى بني عباس و الامتثال امام المحكمة ...لم ينكر الرجل بانه قام بتعذيب الجارية لكنه فعل ذلك عقابا لها على السرقة ...اجابه القائد بانه لا أحد مخول بانزال العقوبات من غير السلطات ...و اعتقل السيد و زج به في السجن و قد رأيته يؤدي محكوميته في اشغال شاقة...ينقل الرمل مع بقية السجناء و احد المخازنية شاهرا السلاح يحرسهم ..لكن من جانب آخر لم تسلم الجارية من السجن بعدما اعترفت بأنها سرقت خروف و دجاجة و بعض الملابس ....
المصدر : L'OASIS DE BENI-ABBÈS /Madame Sonia E.Howne